ابن ميثم البحراني
105
شرح نهج البلاغة
العفّة متلازمتان ، ولمّا كان التوأم هو الولد المقارن لولد آخر في بطن واحد أشبهه الوفاء لمقارنته الصدق تحت العفّة ، فاستعار لفظه له . ثمّ لمّا كانت فضيلة الوفاء مقابلة برذيلة الغدر وفضيلة الصدق مقابلة برذيلة الكذب ورذيلتا الغدر والكذب أيضا توأمين تحت رذيلة الفجور المقابلة لفضيلة العفّة . قوله : ولا أعلم جنّة أوقى منه . حكم ظاهر فإنّ الوفاء وقاية تامّة للمرء أمّا في آخرته فللاستتارة به من عذاب اللَّه الَّذي هو أعظم محذور ، وأمّا في دنياه فللاستتارة به من السبّ والعار وما يلزمه عدم الوفاء من الغدر والكذب الملطخين لوجه النفس . وإذا علمت أنّه لا نسبة لشيء ممّا يجتنّ منه بالأسلحة وغيرها إلى ما يتوقّى بالوفاء علمت أنّه لا جنّة أوقى من الوفاء ، وممادح الوفاء ومذامّ الغدر كثيرة قال اللَّه تعالى « الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ولا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ » ( 1 ) « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا » الآية وقال في تمدّحه بالوفاء « إِنَّ الله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ » قال « فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً » ( 2 ) ومن الخبر في ذمّ الغدر : لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة . وقوله : ولا يغدر من علم كيف المرجع . أقول : العلم بكيفيّة المرجع إلى اللَّه تعالى والاطَّلاع على منازل السفر إليه وعلى أحوال الآخرة الَّتي هي المستقرّ صارف قوىّ عن ارتكاب الرذائل الَّتي من جملتها الغدر وإنّما خصّ الغدر بنسبة أهله إلى الجهل بأمر المعاد لكونه في معرض مدح الوفاء والترغيب فيه . قوله : ولقد أصبحنا في زمان . إلى قوله : الحيلة . أقول : إنّما اتّخذ أهل الزمان الغدر كيسا ونسبهم كثير إلى حسن الحيلة لجهل الفريقين بثمرة الغدر ولعدم تمييزهم بين الغدر والكيس فإنّه لمّا كان الغدر كثيرا ما يستلزم الذكاء والفطنة لوجه الحيلة وايقاعها بالمغدور به وكان الكيس أيضا عبارة عن الفطانة والذكاء وجودة الرأي في استخراج وجوه المصالح الَّتي تنبغي كانت بينهما مشاركة في استلزام مفهوميها للتفطَّن والذكاء في استخراج وجه الحيلة وايقاع الآراء
--> ( 1 ) 13 - 20 ( 2 ) 48 - 10